المقريزي

333

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

ثم لما كانت خلافة عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ، غزا المسلمون في البحر ، وكان أوّل من غزا فيه معاوية بن أبي سفيان ، وذلك أنه لم يزل بعثمان رضي اللّه عنه حتى عزم على ذلك ، فأخره وقال : تنتخب الناس ولا تقرع بينهم ، خيّرهم ، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه . ففعل واستعمل على البحر عبد اللّه بن قيس الحاسي خليفة بني فزارة ، فغزا خمسين غزوة من بين شاتية وصائفة في البرّ والبحر ، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب ، وكان يدعو اللّه تعالى أن يرزقه العافية في جنده ولا يبتليه بمصاب أحد منهم ، حتى إذا أراد اللّه عز وجلّ أن يصيبه في جنده خرج في قارب طليعته فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم ، فثار به الروم وهجموا عليه فقاتلهم فأصيب وحده ، ثم قاتل الروم أصحابه فأصيبوا . وغزا عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح في البحر لما أتاه قسطنطين بن هرقل سنة أربع وثلاثين في ألف مركب يريد الإسكندرية ، فسار عبد اللّه في مائتي مركب أو تزيد شيئا وحاربه ، فكانت وقعة ذات الصواري التي نصر اللّه تعالى فيها جنده وهزم قسطنطين وقتل جنده ، وأغزى معاوية أيضا عقبة بن عامر الجهنيّ رضي اللّه عنه في البحر ، وأمره أن يتوجه إلى رودس ، فسار إليها . ونزل الروم على البرلس في سنة ثلاث وخمسين في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاريّ رضي اللّه عنه على مصر ، فخرج إليهم المسلمون في البرّ والبحر ، فاستشهد وردان مولى عمرو بن العاص في جمع كثير من المسلمين ، وبعث عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة إلى عامله على إفريقية حسان بن النعمان يأمره باتخاذ صناعة بتونس لإنشاء الآلات البحرية . ومنها كانت غزوة صقلية في أيام زيادة اللّه الأوّل بن إبراهيم بن الأغلب على شيخ الفتيا أسد بن الفرات ، ونزل الروم تنيس في سنة إحدى ومائة في إمارة بشر بن صفوان الكلبيّ على مصر من قبل يزيد بن عبد الملك ، فاستشهد جماعة من المسلمين ، وقد ذكر في أخبار الإسكندرية ودمياط وتنيس والفرما من هذا الكتاب جملة من نزلات الروم والفرنج عليها ، وما كان في زمن الإنشاء ، فانظره تجده إن شاء اللّه تعالى . وقد ذكر شيخنا العالم العلامة الأستاذ قاضي القضاة وليّ الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرميّ الإشبيلي ، تعليل امتناع المسلمين من ركوب البحر للغزو في أوّل الأمر فقال : والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا أوّل الأمر مهرة في ثقافته وركوبه ، والروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على أعواده مرنوا عليه ، وأحكموا الدربة بثقافته ، فلما استقرّ الملك للعرب وشمخ سلطانهم ، وصارت أمم العجم خولا لهم وتحت أيديهم ، وتقرّب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته ، واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما ، وتكرّرت ممارستهم البحر وثقافته ، استحدثوا بصرا بها ، فتاقت أنفسهم إلى